محمد متولي الشعراوي
10654
تفسير الشعراوي
منهج مَنْ خَلقَ فيزيد الصالح صلاحاً ، أو على الأقل يتركه على صلاحه لا يفسده ، فإن تدخَّل على غير هذا المنهج فلا بُدَّ له أن يفسد . فحين تمر مثلاً ببئر ماء يشرب منه الناس ، فإما أنْ تُصلح من حاله وتزيده ميزة وتُيسِّر استخدامه على الناس ، كأن تبني له حافّة ، أو تجعل عليه آلة رَفْع تساعد الناس ، أو على الأقل تتركه على حاله لا تفسده ؛ لذلك يقول تعالى : { وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد } [ البقرة : 205 ] . أما هؤلاء القوم فلم يكتَفِ القرآن بوصفهم بالفساد وحسب ، إنما أيضاً هم { وَلاَ يُصْلِحُونَ } [ الشعراء : 152 ] ذلك لأن الإنسان قد يُفسِد في شيء ، ويُصلح في شيء ، إنما هؤلاء دأبهم الفساد ، ولا يأتي منهم الصلاح أبداً . ونكبة الوجود من الذين يصنعون أشياء يروْنها في ظاهرها صلاحاً ، وهي عَيْن الفساد ؛ لأنهم لم يأخذوها بكل تقنيناتها القيمية ، وانظر مثلاً إلى المبيدات الحشرية التي ابتكروها وقالوا : إنها فتح علمي ، وسيكون لها دور كبير في القضاء على دودة القطن وآفات الزرع ، وبمرور الزمن أصبحت هذه المبيدات وبالاً على البشرية كلها ، كيث تسمِّم الزرع وتسمِّم الحيوان ، وبالتالي الإنسان ، حتى الماء والتُّرْبة والطيور ، لدرجة أنك تستطيع القول أنها أفسدت الطبيعة التي خلقها الله . وفي هؤلاء قال تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [ الكهف : 103104 ] .